
في هذا السياق، خطت فرق بحثية من أوروبا والولايات المتحدة خطوة ملحوظة إلى الأمام من خلال تطوير أيدٍ روبوتية قابلة للفصل ومتناظرة قادرة على الحركة من تلقاء نفسهايكسر هذا المفهوم النهج المعتاد المتمثل في محاكاة التشريح البشري بدقة تصل إلى المليمتر، ويفتح الباب أمام عمليات عالية الدقة في الزوايا الضيقة والمناطق التي يصعب الوصول إليها، أو في السيناريوهات التي لا يمكن للذراع الثابتة الوصول إليها ببساطة.
يد آلية تصبح مستقلة عن الذراع
المشروع الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام الإعلامي نابع من التعاون بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) و المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL)فكرتها الأساسية بسيطة في ظاهرها، لكن من المستحيل تطبيقها على الإنسان: لمنح اليد استقلالية تامة بالنسبة لبقية الذراعبحيث يمكنه العمل متصلاً بالنظام الرئيسي أو التحرك بمفرده عندما تتطلب المهمة ذلك.
تجنّب الفريق، الذي ضمّ أيضاً مجموعة بارزة من مهندسي المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان بقيادة الباحث شياو غاو، عن قصد إنشاء نسخة طبق الأصل من اليد البشرية. وبدلاً من قبول قيودها، مثل عدم التناسق أو صعوبة العمل في الأماكن الضيقة، ركّزوا على تصميم تم ابتكاره خصيصاً للروبوتات وللتغلب على تلك القيود البيولوجية.
عملياً، يمكن لليد أن تعمل كجزء من ذراع روبوتية تقليدية للمهام العامة، وعندما تكون هناك حاجة إلى تدخل أكثر تخصصاً، ينفصل ويبدأ في التحرك مستخدماً أصابعه كنقاط ارتكاز.تتيح هذه القدرة على "المشي" على الأسطح إمكانية التسلل إلى الفجوات أو التجاويف أو الهياكل التي لا يستطيع الروبوت الرئيسي دخولها دون تفكيك نصف البيئة.
يتماشى هذا النهج مع اتجاه ما يسمى الروبوتات ذات الأغراض العامةلا يقتصر هدفها على محاكاة براعة الإنسان فحسب، بل تسعى إلى تجاوز ذلك من حيث التنوع والمدى ونطاق الحركة. ولذلك، تُعتبر اليد القابلة للفصل تطوراً وظيفياً لليد البشرية، وليست مجرد نسخة ميكانيكية.
تصميم متناظر وتكوين أصابع متغير
من أبرز سمات النموذج الأولي هو هندسة معمارية متناظرة تمامًاقام الباحثون بتطوير نسختين، إحداهما بخمسة أصابع والأخرى بستة أصابع، وكلاهما بكف يبلغ قطره حوالي 16 سنتيمترًا وتوزيع للأصابع يختلف عن التكوين البشري النموذجي المكون من أربعة أصابع وإبهام على جانب واحد.
بفضل هذا التصميم الهندسي، يمكن لأي زوج من الأصابع أن يؤدي نفس الوظيفة عند الإمساك.لا يوجد جانب "جيد" وجانب "سيئ" لليد، لذا يمكنها الاقتراب من جسم ما من اتجاهات متعددة دون أن تفقد فعاليتها. هذا التناظر مفيد بشكل خاص عندما تكون اليد غير متصلة وتضطر إلى المناورة في أماكن ضيقة، حيث يكون هامش إعادة التموضع ضئيلاً للغاية.
بالإضافة إلى ذلك، عمل المهندسون على توسيع نطاق مدى حركة وقدرة كل إصبع على الإمساكالهدف هو أن يتمكن إصبع واحد من مواجهة أي إصبع آخر، وليس فقط إبهاماً معيناً، مما يزيد من خيارات الإمساك الممكنة. هذه الحرية الإضافية تُترجم إلى تحكم أدق في الأشياء ذات الأشكال والأحجام المختلفة.
ومن العناصر الأساسية الأخرى أن اليد قد صُممت لتقديم أمسك باليد للأمام والخلفبمعنى آخر، لا يقتصر دوره على حمل الأشياء على سطحه الأمامي، بل يمكنه أيضاً دعمها أثناء استخدام الأدوات أو العمل على عناصر أخرى. تتيح هذه الخاصية "ذات الوجهين"، على سبيل المثال، حمل قطعة واحدة واستخدام أداة في الوقت نفسه بأصابع أخرى دون الحاجة إلى يد ثانية.
يتناقض هذا التركيز على التلاعب الوظيفي مع النهج الكلاسيكي للعديد من مشاريع الروبوتات، والتي سعت إلى إعادة إنتاج التشريح البشري بتفاصيل دقيقة. هنا، الأولوية ليست للدقة البيولوجية، بل للكفاءة التشغيلية.وهذا له ترجمة مباشرة في بيئات الفحص الصناعية أو المعقدة.
الحركة الذاتية واسترجاع الأشياء بشكل متسلسل
عندما تنفصل اليد عن الذراع، يبرز جانبها الأكثر لفتاً للنظر: القدرة على التحرك على الأسطح بشكل مستقلباستخدام أصابعه كنقاط دعم منسقة، يستطيع الجهاز الزحف والتحرك للأمام وإعادة توجيه نفسه لتحديد موقع الأشياء الموجودة خارج نطاق الوصول المعتاد للروبوت الرئيسي والتقاطها.
في التجارب التي وصفها الباحثون أنفسهم، أظهرت اليد أنها تستطيع استرجاع ما يصل إلى ثلاثة عناصر متتالية ثم يعود إلى الذراع لإعادة تثبيته، مع الحفاظ على ثباته على الأجزاء التي يحملها طوال الوقت. هذا التسلسل، الذي تم اختباره باستخدام أدوات يومية، يوضح بوضوح نوع المهام التي صُمم من أجلها.
أثناء الاختبارات، يتم فحص أشياء مثل أنابيب كرتونية، كرات مطاطية، أقلام تحديد، وعلب معدنيةتم اختيار جميع هذه النماذج لمحاكاة سيناريوهات نموذجية في المستودعات وورش العمل وخطوط الإنتاج. وتشير النتائج إلى أن اليد قادرة على الإمساك بمجموعة واسعة من الأشكال والأسطح بإحكام، مع الحفاظ على ثباتها حتى أثناء الحركة.
تمكن الجهاز من إعادة إنتاج 33 نوعًا مختلفًا من قبضة الإنسانيُعدّ هذا رقماً هاماً بالنظر إلى تعقيد اليد البيولوجية. علاوة على ذلك، فقد تمكنت من التعامل مع أجسام يصل وزنها إلى حوالي كيلوغرامين دون صعوبة، وهو رقم كافٍ لمجموعة واسعة من العمليات التي تتضمن التعامل مع المكونات أو الأدوات أو المواد في القطاعات الصناعية والخدمية.
يؤكد هذا الأداء، وفقًا لمؤلفي الدراسة، أن بنية متناظرة وفصل وظيفي إنها تسمح لنا بالتغلب على بعض القيود الكلاسيكية للأيدي الروبوتية التقليدية، والتي تم تصميمها بشكل أكبر لتكرار المهام الثابتة بدلاً من الارتجال في البيئات المتغيرة أو التي يصعب الوصول إليها.
تطبيقات في الصناعة والإنقاذ والاستكشاف
من الواضح أن التركيز الأساسي لهذه اليد القابلة للفصل هو صناعي، سواء في فحص وإصلاح المعدات والمرافقفي المصانع أو محطات المعالجة، فإن القدرة على الوصول باليد فقط إلى زاوية أو غلاف أو قناة ضيقة تقلل من الحاجة إلى إغلاق خطوط الإنتاج بأكملها أو تفكيك الهياكل للوصول إلى نقطة معينة.
في سيناريوهات الصيانة، يوفر هذا الاستقلال الذاتي بديلاً مثيراً للاهتمام لاستخدام الأدوات الضخمة. يمكن إدخال اليد في الخزائن الكهربائية أو الآلات المعقدة أو المناطق المطلية. حيث يصعب على الذراع الجامدة الوصول إلى هذه النقطة دون التسبب بأضرار جانبية. وبمجرد دخولها، يمكنها التعامل مع الروافع والبراغي والكابلات أو غيرها من المكونات بدقة تضاهي دقة اليد البشرية المدربة.
كما يسلط الباحثون الضوء على إمكاناتها في مهام عمليات الإنقاذ والاستكشاففي العمليات التي تتم في الأماكن الضيقة أو الانهيارات أو البنية التحتية تحت الأرض، يمكن أن تعمل اليد القابلة للفصل كنوع من المستكشف اللمسي القادر على التحرك عبر الممرات الضيقة، والتحقق من حالة الهياكل، أو استعادة الأشياء الحساسة دون تعريض الناس لمخاطر غير ضرورية.
في مهمات الاستكشاف، سواء في البيئات الطبيعية التي يصعب الوصول إليها أو في المنشآت العلمية أو التقنية المعقدة، فإن وجود يد آلية لا يعتمد ذلك على خط رؤية مباشر أو مسافة أمان بطول ذراع كاملة. يفتح ذلك آفاقاً جديدة. فعلى سبيل المثال، يمكنه اختراق تجاويف الصخور أو الأنابيب أو القنوات لأخذ عينات أو وضع أجهزة استشعار أو تفعيل آليات.
بشكل عام، تتناسب هذه التقنية بشكل جيد مع الاتجاه الحالي نحو أنظمة روبوتية أكثر مرونة وتعددًا في الاستخدامحيث تعمل "وحدات" متخصصة مختلفة معًا لحل المهام المعقدةتصبح اليد القابلة للفصل واحدة من تلك الوحدات الرئيسية، المصممة للتلاعب الدقيق في الأماكن التي لا تستطيع الروبوتات أو الأدوات الأخرى الوصول إليها بسهولة.
التحديات البارزة والخطوات التالية في التطوير
على الرغم من النتائج التي تم الحصول عليها، فإن المسؤولين عن المشروع أنفسهم يصرون على أن لا يزال نموذجًا أوليًا في المرحلة المختبريةلكي يتم استخدامه في تطبيقات العالم الحقيقي، من الضروري التغلب على العديد من التحديات التقنية وتحديات التكامل مع أنظمة الروبوتات الأخرى.
تتمثل إحدى القضايا العالقة في التحقق من أداء اليد باستخدام أجسام ذات حجم أو وزن أكبر، أو ذات هندسة غير تقليديةلقد أظهر حتى الآن أداءً قوياً مع عناصر يمكن التحكم فيها نسبياً، لكن الاستخدام اليومي في الصناعة أو عمليات الإنقاذ يطرح تحديات إضافية في شكل أجزاء ضخمة أو أسطح غير منتظمة أو مواد أكثر تطلباً.
جانب آخر يجب تحسينه هو تكييف اليد مع ظروف عمل متنوعةبدءًا من البيئات التي تحتوي على الأوساخ أو الغبار أو الرطوبة، وصولًا إلى السيناريوهات التي تحتوي على اهتزازات أو تداخل، يجب أن تُظهر نفس المتانة المطلوبة من المعدات الصناعية الأخرى لتكون مفيدة حقًا، دون التضحية بدقتها المميزة.
ويشير الباحثون أيضاً إلى ضرورة دمج هذه التقنية في سير العمل الحقيقيوبعيدًا عن التجارب الخاضعة للرقابة، فإن الفكرة هي تطبيق التكنولوجيا في مهام ملموسة في المصانع أو مرافق الخدمة أو البنية التحتية الحيوية، حيث يمكنها العمل جنبًا إلى جنب مع الروبوتات المنتشرة بالفعل وإثبات مساهمتها من حيث الكفاءة والسلامة.
على المدى المتوسط، يشير الفريق نفسه إلى أن هذا النوع من العمل قد يؤدي إلى تحول نموذجي في مفهوم الأيدي الروبوتيةبدلاً من الاستمرار في محاولة تقليد التشريح البشري حتى أدق التفاصيل، يمكن توجيه البحث نحو تصميمات وظيفية ومتماثلة ووحداتية بشكل متزايد، ومحسّنة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للصناعة والاستكشاف، سواء في أوروبا أو في مناطق أخرى حيث تكتسب الأتمتة زخماً.
إن الجمع بين الأيدي الروبوتية القابلة للفصل والتصميم المتناظر والبراعة التقنية العالية يشير إلى روبوتات أكثر مرونة بكثير مما نراه اليوم في المصانع أو المختبرات؛ إذا نجحت هذه الحلول في اجتياز الاختبارات خارج بيئة البحث، فقد تصبح عنصرًا أساسيًا للعمل بأمان ودقة في الأماكن الضيقة والمنشآت المعقدة والمهام التي تحدث فيها رشاقة اليد المستقلة فرقًا كبيرًا.