
لطالما اعتُبرت بطاريات الحالة الصلبة بمثابة الكنز الثمين في عالم التنقل الكهربائي. فهي تعد بمدى أطول، ومستوى أمان مُحسّن، وعمر أطول من بطاريات الليثيوم أيون الحالية. إلا أن طرحها في الأسواق تأجل مرارًا وتكرارًا بسبب تحديات تقنية بدت مستعصية. والآن، كشفت دراسة أجراها معهد ماكس بلانك للمواد المستدامة عن مفتاح حل إحدى هذه المشكلات: كيف تتمكن التشعبات الليثيومية من اختراق الإلكتروليت الصلب وتتسبب في حدوث دوائر قصر. هذا الاكتشاف، الذي نُشر في مجلة Nature، يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة لمنع هذا العطل، ويُقرّب خطوةً نحو تسويق هذه التقنية.
بينما يتقدم العلم في المختبرات، لا تتوقف الصناعة عن التطور. فقد تبوأت الصين الصدارة في تطوير بطاريات الحالة الصلبة، حيث تستثمر شركات عملاقة مثل CATL وBYD وGAC بكثافة في حلولها الخاصة. يتوقع إجماع الصناعة أن يبدأ الإنتاج الضخم بين عامي 2027 و 2030.على الرغم من وجود عقبات كبيرة لا تزال قائمة، لا سيما في التصنيع على نطاق واسع وخفض التكاليف، تشير التوقعات إلى أن أولى السيارات المزودة ببطاريات صلبة حقيقية قد تبدأ في الظهور في صالات العرض قبل نهاية العقد.
مشكلة التغصنات: اكتشاف رئيسي
يُعدّ تكوّن التشعبات، وهي تراكيب مجهرية متفرعة تنمو من مصعد الليثيوم أثناء الشحن، أحد أكبر التحديات التي تواجه بطاريات الحالة الصلبة. ورغم أن الليثيوم المعدني لين، إلا أن هذه التشعبات تتمكن من... يخترق الإلكتروليت الخزفي ويسبب ماسًا كهربائيًاأثبت فريق من معهد ماكس بلانك، بقيادة يووي تشانغ، أن الآلية ليست كما كان يُعتقد سابقًا: فلا يوجد تراكم لليثيوم عند حدود الحبيبات. بل إن الضغط الهيدروستاتيكي داخل التغصنات يُسبب تشقق الإلكتروليت، تمامًا كما يتسرب الماء عبر الصخور. وقد استبعد الباحثون فرضية تسرب الإلكترونات بين بلورات الإلكتروليت، وأكدوا نتائجهم من خلال عمليات المحاكاة وقياسات حيود الأشعة السينية.
وبناءً على هذا الاكتشاف، يقوم الفريق بالفعل باستكشاف طرق لمنع التصدع. وتشمل الحلول الممكنة تقوية الإلكتروليت، أو إدخال تجاويف دقيقة تعمل على تحويل نمو التشعبات، أو تطبيق طبقات واقية على الأقطاب الكهربائية.يمكن لأي من هذه الأساليب أن تطيل عمر البطاريات وتجعلها أكثر أمانًا، وهي خطوة أساسية للمصنعين لكي يجرؤوا على طرحها في السوق.
تتصدر الصين مجال الإنتاج
بينما تكشف المختبرات عن الآليات الفيزيائية، لم تنتظر الصناعة الصينية. تقوم شركات مثل CATL وBYD وGAC بتطوير بطارياتها الصلبة الخاصة. وقد أعلنت هذه الشركات بالفعل عن خطط إنتاج ملموسة. تعمل شركة CATL، أكبر مصنّع للبطاريات في العالم، على تطوير عملية تعتمد على الكبريتيدات ذات بنية أرجيروديت، بينما تراهن شركة BYD على الكبريتيدات وتُقرّ بأن هذه التقنية في مرحلة حاسمة. من جانبها، أنجزت شركة GAC أول خط إنتاج لخلايا الحالة الصلبة عالية السعة في الصين، وتتطلع إلى بدء الإنتاج الضخم بين عامي 2027 و2030. وقد تصدّرت هذه الشركة الآسيوية العملاقة هذا السباق، ليس فقط بفضل قوتها الصناعية، بل أيضاً بفضل وضعها معياراً وطنياً يُحدّد بدقة ما يُمكن تسميته ببطارية الحالة الصلبة، واضعةً بذلك حداً للغموض التجاري.
الأرقام التي يتم مناقشتها طموحة. وتجري مناقشة كثافات الطاقة التي يمكن أن تصل إلى 350 واط ساعة/كجم أو حتى أكثر.ويبلغ مداها أكثر من 1.000 كيلومتر بشحنة واحدة. علاوة على ذلك، يُعد الشحن السريع ميزة تسويقية رئيسية أخرى: إذ تشير بعض الادعاءات إلى إمكانية إعادة شحنها من 10% إلى 80% في غضون عشر دقائق تقريبًا، وهو أمرٌ كان مستحيلاً مع بطاريات الليثيوم السائلة الحالية. مع ذلك، يحذر الخبراء من أن الأمر سيستغرق سنوات قبل أن يصبح كل هذا واقعًا تجاريًا واسع الانتشار.
متى سيصلون إلى السوق؟
السؤال الذي يطرح نفسه هو: متى سنتمكن من شراء سيارة مزودة ببطارية صلبة؟ يشير إجماع الصناعة إلى اعتماد محدود بدءًا من عام 2027 وانتشار واسع النطاق في العالم الحقيقي بحلول عام 2030.لدى العديد من الشركات المصنعة الصينية خطط ملموسة بالفعل: تتوقع شركة GAC بدء الإنتاج الضخم لخلاياها بين عامي 2027 و2030، بينما تحرز شركات أخرى مثل BYD وCATL تقدماً في تطويرها، على الرغم من إقرارها بأن الجدوى التجارية لا تزال تعاني من معوقات هندسية. أما في أوروبا، فالانتظار أطول، إذ تعتمد معظم الشركات المصنعة الأوروبية على اتفاقيات مع موردين آسيويين أو على أبحاثها الخاصة، التي لا تزال متأخرة.
لكن الطريق أصبح أكثر وضوحاً. إن الجمع بين التقدم العلمي، مثل ذلك الذي حققه معهد ماكس بلانك، والاستثمار الصناعي الصيني، يساهم في تقصير الجداول الزمنية.لا تقتصر مزايا بطاريات الحالة الصلبة على زيادة مدى القيادة وتعزيز السلامة فحسب، بل إنها تقضي أيضاً على خطر نشوب الحرائق بالاستغناء عن الإلكتروليت السائل القابل للاشتعال. وإذا سارت الأمور وفقاً للخطة، فسيشهد العقد القادم انتقال هذه التقنية من مجرد وعدٍ مختبري إلى واقع ملموس على الطرق، مما سيغير مفهوم التنقل الكهربائي إلى الأبد.


