
تتزايد الحاجة إلى أنظمة تخزين الطاقة في أوروبا. فالالتزام بالطاقات المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يستلزم تخزين هذه الكهرباء عند إنتاجها وإطلاقها عند الحاجة. وفي هذا السياق، قدم فريق من جامعة فليندرز في أستراليا بطارية من الزنك واليود تُبشر بإحداث نقلة نوعية في هذا المجال، إذ تتحمل أكثر من 60.000 ألف دورة شحن وتفريغ مع أدنى حد من فقدان الأداء.
لا تزال هذه التقنية في مراحلها الأولى، لكن أداءها يُمثل قفزة نوعية مقارنةً ببطاريات الليثيوم أيون التي تُهيمن حاليًا على السوق. يصف الباحثون نظامًا يجمع بين الزنك واليود وبوليمر مُشتق من السيكلودكسترين. وتتمثل الميزة الرئيسية في استخدامه إلكتروليتًا مائيًا ، بدلًا من السوائل العضوية القابلة للاشتعال المُستخدمة في البطاريات التقليدية، مما يُقلل بشكل كبير من خطر نشوب الحرائق.
أطول عمر للبطارية وأسرع شحن في دقائق
تتعلق أبرز البيانات بالمتانة. ففي الاختبارات المعملية، أكملت النماذج الأولية بنجاح أكثر من 60.000 دورة كاملة دون تدهور ملحوظ في السعة. ووفقًا للقياسات، يتراوح الفقد لكل دورة بين 0,0001% و0,0003%، مما يسمح بعمر افتراضي قد يمتد لعقود في المنشآت الثابتة.
سرعة الشحن مثيرة للإعجاب أيضاً. في أحد التكوينات التي تم اختبارها، يمكن شحن البطارية بالكامل في غضون ثلاث دقائق تقريباً عند ضبطها على حوالي 150 مللي أمبير/غرام. في حال الرغبة بسعة أعلى، يوفر النظام 200 مللي أمبير/غرام ويُعاد شحنه في غضون سبع دقائق تقريباً، ليصل إلى 8.000 دورة شحن. يتراوح جهد التشغيل بين 1,3 و1,4 فولت، وهي قيم مناسبة للأنظمة الثابتة.
تم تحقيق هذه القيم في خلايا تجريبية صغيرة، وليس في بطاريات تجارية، لكنها تُظهر أن التركيبة الكيميائية المختارة توفر مزيجًا من القوة والمتانة كان يبدو سابقًا مستحيلاً. إن القدرة على الشحن السريع وتحمل هذا العدد الكبير من دورات الشحن والتفريغ تجعل هذه التقنية خيارًا جذابًا للغاية للمنشآت التي تتطلب دورانًا مستمرًا، مثل محطات الطاقة الشمسية أو أنظمة الطاقة الاحتياطية للشبكة.
المفتاح: قفص جزيئي لليود
يتمثل التحدي الأكبر في هذه البطاريات في الحفاظ على مستويات ثابتة من اليود أثناء الاستخدام. في الأنظمة السابقة، كانت مركبات اليود تذوب في الإلكتروليت وتنتقل إلى المصعد، مما يتسبب في التفريغ الذاتي والتدهور. هذا التأثير، المسمى "إزاحة متعدد اليود"، كان العائق الرئيسي أمام تحقيق عمر بطارية طويل.
حلّ الباحثون المشكلة باستخدام بنية السيكلودكسترين ، وهي عبارة عن سكريات قليلة التعدد مستخلصة من النشا وتُستخدم بالفعل في صناعة الأغذية. تحتوي هذه الجزيئات على تجويف داخلي يحبس مواد اليود ويمنعها من الحركة، دون أن يعيق التفاعلات الكهروكيميائية. وهذا يضمن بقاء المادة الفعالة عند المهبط، وبالتالي إطالة عمر البطارية.
إضافةً إلى التحسينات التقنية، يُعطي النظام الأولوية للمواد الوفيرة والرخيصة ، مثل الزنك واليود، على حساب المعادن النادرة. إن توفر هذه المواد في أوروبا وفي دول مثل أستراليا، إحدى أكبر منتجي الزنك في العالم، من شأنه تبسيط سلسلة التوريد وتقليل الاعتماد على المناطق الخارجية.
لن يكون الاستخدام الأساسي لهذه البطارية في الهواتف المحمولة أو أجهزة الكمبيوتر. يستهدف المطورون تخزين الطاقة على نطاق واسع، مثل محطات الطاقة الشمسية والمنشآت الصناعية وأنظمة الطاقة الاحتياطية للشبكة. في هذه التطبيقات، لا يُعدّ الوزن عاملاً حاسماً، بل تكمن القيمة في القدرة على التعامل مع أحمال متعددة باستثمار منخفض. ويعمل الفريق حالياً مع شركاء تجاريين لإطلاق منصة نماذج أولية صناعية.
لا يزال الطريق طويلاً قبل أن يتحول هذا الابتكار إلى منتجات تجارية. إذ يتطلب الأمر تأكيد أدائه في الخلايا الأكبر حجماً، وتحليل كفاءته بشكل أكثر دقة، والتحقق من استقراره في ظروف الاستخدام الواقعية. لكن هذه الدراسة تُظهر إمكانية كسر هيمنة الليثيوم وتمهيد الطريق لتركيبات كيميائية أكثر أماناً، وأطول عمراً، وأكثر ملاءمة للبيئة. ويملك هذا الإنجاز القدرة على إحداث نقلة نوعية في كيفية دمج الطاقة المتجددة في شبكتنا الكهربائية.

