
يشهد قطاع أشباه الموصلات تحولاً جذرياً. فقد قررت شركتا سوني وTSMC، وهما عملاقتان لهما تاريخان مختلفان تماماً، توحيد جهودهما لإنشاء مشروع مشترك متخصص في تصنيع مستشعرات الصور. ويمثل هذا المشروع، الذي سيُقام في اليابان، استثماراً بقيمة 6.300 مليار دولار أمريكي تقريباً ، ويهدف إلى إنتاج جيل جديد من المستشعرات للهواتف الذكية، فضلاً عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
يأتي هذا الخبر، الذي نشرته بلومبيرغ أولاً وأكدته مصادر مطلعة، في وقت يشهد فيه الطلب على مستشعرات الصور نمواً متسارعاً. وتسعى سوني، التي تسيطر على أكثر من نصف سوق مستشعرات CMOS العالمي ، إلى ترسيخ ريادتها في مواجهة منافسين مثل سامسونج وأومني فيجن. من جانبها، تعمل TSMC على توسيع نطاق تواجدها خارج تايوان وتعزيز التزامها بهذا القطاع الاستراتيجي.
تحالف استراتيجي للسيطرة على سوق أجهزة الاستشعار
سيتخذ المشروع المشترك الجديد، المسمى "شركة تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة للرؤية"، من مدينة كوشي بمحافظة كوماموتو مقرًا له. وستكون سوني المساهم الأكبر بنسبة 60% من رأس المال، بينما ستسيطر شركة TSMC على النسبة المتبقية البالغة 40%. سيتيح هذا الترتيب لسوني الحفاظ على السيطرة التشغيلية والاستراتيجية ، في حين ستساهم TSMC بخبرتها في عمليات التصنيع المتقدمة.
سيستفيد هذا المرفق من البنية التحتية الحالية لشركة سوني في المنطقة، بالإضافة إلى مصنع TSMC في كوماموتو، الذي ينتج حاليًا رقائق بتقنية 3 نانومتر . التعاون بين الشركتين ليس جديدًا، فهما تعملان معًا بالفعل في مصنع TSMC في اليابان، لكن هذا المشروع المشترك يمثل خطوة أكثر طموحًا.
الاستثمار والإنتاج: الأرقام والمواعيد النهائية
سيبلغ إجمالي الاستثمار حوالي تريليون ين ياباني، أي ما يعادل 6.300 مليار دولار أمريكي تقريبًا وفقًا لسعر الصرف الحالي. وبحسب التفاصيل، ستساهم سوني بحوالي 465.000 مليار ين (حوالي 2.900 مليار دولار أمريكي) من رأس المال والأصول، بينما ستساهم شركة TSMC بمبلغ 282.000 مليار ين (1.800 مليار دولار أمريكي). أما المبلغ المتبقي، فمن الممكن أن يأتي من دعم الحكومة اليابانية، التي أبدت بالفعل استعدادها لدعم المشروع.
من المقرر بدء الإنتاج الضخم في عام 2029. وسيركز المصنع على تطوير وتصنيع الجيل القادم من مستشعرات الصور المكدسة، التي توفر دقة أعلى وكفاءة أكبر في استهلاك الطاقة. في البداية، ستُستخدم هذه المستشعرات في الهواتف الذكية المتطورة، لكن الخطة طويلة الأجل تشمل استخدامها في المركبات ذاتية القيادة ، والروبوتات الصناعية، وأنظمة الرؤية الحاسوبية.
ما وراء الهواتف المحمولة: الذكاء الاصطناعي والروبوتات والسيارات
أدى صعود الذكاء الاصطناعي إلى فتح ساحة منافسة جديدة في قطاع أجهزة الاستشعار. تحتاج الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة إلى كاميرات بالغة الدقة لإدراك محيطها. وتسعى شركتا سوني وTSMC إلى أن تكونا في طليعة هذه الثورة. لن يقتصر المشروع المشترك على تصنيع أجهزة استشعار للهواتف فحسب، بل سيعمل أيضًا على تطوير حلول متخصصة لما يُعرف بـ"الذكاء الاصطناعي الفيزيائي"، الذي يجمع بين خوارزميات التعلم الآلي وأجهزة الرؤية والإدراك المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
بحسب مصادر مطلعة على الاتفاقية، سيتم تزويد شركة آبل بأولى أجهزة الاستشعار من الجيل التالي لهواتف آيفون، إلا أن الاستراتيجية متوسطة المدى تتضمن تنويع قاعدة العملاء. سيتيح التعاون مع شركة TSMC لشركة سوني خفض تكاليف التصنيع وتسريع إطلاق منتجات جديدة ، بينما ستكتسب TSMC فرصة للتوسع في سوق ذات قيمة مضافة عالية.
السياق التنافسي وردود فعل السوق
يأتي هذا التحالف في وقت حرج لشركة سوني. ففي ديسمبر 2025، تمكنت سامسونج من انتزاع عقد تصنيع المستشعرات المكدسة لهواتف آيفون، ما شكل ضربة قوية للشركة اليابانية. علاوة على ذلك، تكتسب شركة أومني فيجن الصينية زخمًا متزايدًا بفضل مستشعراتها عالية الدقة وأسعارها التنافسية. ويُعد هذا المشروع المشترك، جزئيًا، ردًا على هذه التهديدات.
استقبلت الأسواق الخبر بتفاؤل. ارتفعت أسهم سوني بنسبة 2,2% في بورصة طوكيو، بينما ارتفعت أسهم TSMC بنسبة 1,7% بعد انتشار الخبر. ويرى المحللون أن الصفقة "خالية من المخاطر تقريبًا" لكلا الشركتين، إذ تجمع بين ريادة سوني في مجال التصميم وكفاءة TSMC في التصنيع.
من خلال هذا المشروع المشترك، لا تُعزز سوني وTSMC مكانتهما في سوق مستشعرات الصور فحسب، بل تُمهدان الطريق أيضًا للمنافسة في مستقبل الذكاء الاصطناعي والروبوتات. يُعدّ الاستثمار البالغ 6.300 مليار دولار أمريكي وتاريخ بدء الإنتاج المُخطط له في عام 2029 مجرد بداية لتعاونٍ قد يُعيد تعريف هذه الصناعة. يبقى أن نرى كيف سيؤثر ذلك على المنافسة وما إذا كانت الحكومة اليابانية ستُقدم الدعم المالي الموعود، ولكن من الواضح أن سباق تطوير مستشعرات الجيل القادم قد شهد تحولًا كبيرًا.




