
أعلنت شركة إنفيديا الأمريكية العملاقة لأشباه الموصلات عن استثمار بقيمة 3.500 مليار دولار أمريكي في سندات قابلة للتحويل من شركة ميديا تيك التايوانية المتخصصة في تصنيع رقائق الهواتف المحمولة والأجهزة الأخرى. وتُعدّ هذه الصفقة، التي كُشِف عنها يوم الاثنين في بيان مشترك، أكبر استثمار مباشر لشركة إنفيديا خارج الولايات المتحدة حتى الآن، وتهدف إلى تعزيز التعاون بين الشركتين في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي.
كان للخبر أثر فوري على الأسواق. فقد ارتفعت أسهم شركة ميديا تيك، المدرجة في بورصة تايبيه، بنسبة 9,94% عند افتتاح التداول يوم الثلاثاء ، لتصل إلى أعلى مستوى لها خلال اليوم عند 4.315 دولارًا تايوانيًا جديدًا (ما يعادل 117,5 يورو تقريبًا). ويُضاف هذا الارتفاع إلى زيادة تقارب 200% في قيمة الشركة منذ بداية هذا العام، مما يعزز مكانتها كثاني أكبر شركة في تايوان من حيث القيمة السوقية، بعد شركة TSMC.
تحالف استراتيجي على ثلاث جبهات
يتجاوز الاتفاق مجرد ضخ رأس مال؛ فهو يرسخ تعاونًا موسعًا في ثلاثة مجالات رئيسية. أولًا، ستعتمد MediaTek منصة NVLink Fusion من Nvidia ، وهي مجموعة من تقنيات الربط البيني والذاكرة التي تُمكّن الرقاقات المصممة خصيصًا (وحدات المعالجة المركزية) من التواصل مباشرةً مع أنظمة الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق. سيسهل هذا على مزودي خدمات الحوسبة السحابية الكبيرة ومطوري النماذج إنشاء مُسرّعاتهم الخاصة دون الحاجة إلى تصميم الاتصال من الصفر، مما يوفر الوقت وتكاليف الهندسة.
ثانيًا، يمتد التعاون ليشمل الحوسبة المحلية. ستواصل الشركتان العمل معًا على سلسلتي RTX Spark وDGX Spark ، المصممتين لأجهزة الكمبيوتر الشخصية، وأجهزة الكمبيوتر العملاقة لمطوري الذكاء الاصطناعي، ومحطات عمل المؤسسات. تجمع هذه المنتجات بين وحدات معالجة الرسومات من Nvidia وأنظمة MediaTek المتكاملة على شريحة واحدة (SoC)، كما هو الحال في شريحة GB10 Grace Blackwell Superchip الموجودة في DGX Spark.
أما الركيزة الثالثة فهي قطاع السيارات. يخطط التحالف لمواصلة تطوير منصات للمركبات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي والمُعرّفة بالبرمجيات ، وذلك من خلال دمج حلول Dimensity Auto من MediaTek مع نظام Drive AGX من Nvidia، والذي يغطي كل شيء بدءًا من وظائف القيادة الذاتية وحتى الرسومات داخل المقصورة.
تفاصيل العملية وسياقها
يُعدّ استثمار إنفيديا جزءًا من إصدار سندات قابلة للتحويل بقيمة 3.900 مليار دولار أمريكي أطلقته شركة ميديا تيك ، والذي شمل أيضًا مستثمرين آخرين، من بينهم ألفابت، الشركة الأم لجوجل، وفقًا لمصادر مطلعة. ورغم عدم الكشف عن المبالغ الفردية، إلا أن هذه الصفقة تُعزز استراتيجية إنفيديا في تقوية منظومتها التقنية في وقتٍ يقوم فيه عملاؤها الرئيسيون، مثل أمازون وجوجل ومايكروسوفت، بتطوير رقائقهم الخاصة لتقليل اعتمادهم على معالجات إنفيديا.
تأتي هذه الخطوة في سياق نمطٍ سبق رصده في تحالفاتٍ أخرى حديثة. فعلى سبيل المثال، خصصت شركة إنفيديا ما يصل إلى 105 مليارات دولار لتأمين عقد إيجار مركز بيانات أوبن إيه آي في أوهايو، وأعلنت عن اتفاقية مع أمازون ويب سيرفيسز لنشر مليوني وحدة معالجة رسومية إضافية في أنظمتها. وفي جميع الحالات، يكون الهدف واضحًا: ضمان عمل أي شريحة مخصصة على بنية إنفيديا التحتية ومعاييرها ، حتى لو لم تكن من إنتاج الشركة نفسها.
ردود فعل المديرين
أكد جنسن هوانغ، مؤسس شركة إنفيديا ومديرها التنفيذي، على أهمية هذا التحالف. وفي بيان صحفي، أكد أن "الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في جميع منصات الحوسبة، بدءاً من أكبر مصانع الذكاء الاصطناعي في العالم وصولاً إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية والسيارات". وأشاد هوانغ بخبرة ميديا تيك في تصميم الأنظمة المتكاملة على شريحة واحدة، والاتصال، وكفاءة استهلاك الطاقة، مسلطاً الضوء على أن التعاون بينهما "يُتيح إنشاء منصات تُقدم الحوسبة المُسرّعة من إنفيديا إلى أسواق جديدة".
من جانبه، أشار ريك تساي، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة ميديا تيك، إلى أن هذا الاستثمار يعزز التعاون الذي يشمل الحوسبة السحابية والحوسبة المحلية والسيارات "في عصر الذكاء الاصطناعي المادي". وأكد تساي أن الجمع بين ريادة إنفيديا في مجال الحوسبة المعجلة وبرمجيات الذكاء الاصطناعي وخبرة ميديا تيك في مجال الرقائق المخصصة سيسرع من وتيرة الابتكار للعملاء.
تأتي هذه الصفقة في وقت تسعى فيه شركة ميديا تيك إلى ترسيخ وجودها في سوق مراكز البيانات. وكانت الشركة التايوانية قد توقعت أن تصل مبيعات رقائق الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى ملياري دولار هذا العام ، وتهدف إلى الاستحواذ على حصة كبيرة من سوق قد تصل قيمتها إلى 80 مليار دولار بحلول عام 2027، وفقًا لتقديرات نقلتها شبكة سي إن بي سي.
تتفق جميع المصادر على أن هذا التحالف ليس مجرد ضخ لرأس المال، بل التزام طويل الأمد. وقد نفت شركة إنفيديا اتهامات التمويل الدائري، حيث أكد هوانغ أن "ميديا تك تحقق أرباحًا ونجاحًا هائلين بالفعل"، وأن كلتا الشركتين "تديران أعمالهما بشكل مستقل". ومع ذلك، تعكس هذه الصفقة كيف تستخدم إنفيديا قوتها المالية لضمان استمرار دوران منظومة الذكاء الاصطناعي حول تقنيتها.
باختصار، يُمثل استثمار 3.500 مليار دولار أمريكي وتوسيع نطاق التعاون بين شركتي إنفيديا وميديا تك علامة فارقة في صناعة أشباه الموصلات، مع ما يترتب على ذلك من آثار مباشرة على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتطور أجهزة الكمبيوتر الشخصية، والجيل القادم من المركبات الذكية. وقد لاقى هذا الاستثمار استحسانًا كبيرًا من المستثمرين، وتشير جميع الدلائل إلى أن هذه الشراكة ستكون عاملًا رئيسيًا في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.

