
لم يعد الذكاء الاصطناعي حكرًا على حفنة من خبراء الحاسوب؛ بل أصبح أداة يحملها نصف سكان إسبانيا في جيوبهم. وقد حقق برنامج ChatGPT، وهو برنامج الدردشة الآلي الشهير الذي طورته شركة OpenAI، إنجازًا غير مسبوق من خلال تجاوز حاجز المليار مستخدم الأصول شهرياً خلال شهر مايو الماضي. هذا الرقم ليس مجرد رقم مثير للإعجاب يمكن عرضه في عروض المستثمرين، بل يؤكد أيضاً أننا نتعامل مع تقنية تغلغلت بعمق في المجتمع في وقت قياسي.
على الرغم من نجاحه الذي يبدو تاماً، لم يخلُ هذا النمو السريع من الجدل، وأثار ردود فعل قوية في مختلف القطاعات. فبينما يستخدمه ملايين الأشخاص لتبسيط أعمالهم اليومية أو للإجابة عن تساؤلاتهم الوجودية، لا تزال الأصوات الناقدة تُسمع بقوة، محذرةً من... المخاطر الأخلاقية واحتمال فقدان الوظائف ما يمكن أن تجلبه هذه الأتمتة الهائلة معها. لقد نمت هذه الظاهرة بالفعل إلى حد أنها تحولت من مجرد فضول تكنولوجي إلى بنية تحتية أساسية للاقتصاد الرقمي الحديث.
نموٌّ يجعل عمالقة وادي السيليكون في طي النسيان.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الإنجاز هو سرعة تحقيقه. فبحسب بيانات شركات التحليلات مثل Sensor Tower، لم يستغرق تطبيق OpenAI سوى ثلاث سنوات ونصف منذ إطلاقه في أواخر عام 2022 للوصول إلى عشرة أرقام. ولتكوين فكرة عن حجم هذا الإنجاز، استغرقت خرائط جوجل ما يقرب من خمس سنوات في الوصول إلى حجم مماثل من المستخدمين، مما يوضح أن الاهتمام بالذكاء الاصطناعي التوليدي قد انتشر كالنار في الهشيم في جميع أنحاء العالم.
يُعدّ هذا المعدل من التبني غير مسبوق، حتى بالمقارنة مع الشبكات الاجتماعية التي بدت في وقت من الأوقات سريعة الانتشار. لقد أحسنت OpenAI استغلال الفرص، ورغم أنها لا تكشف دائمًا عن تفاصيل بياناتها الداخلية، إلا أنها أعلنت في فبراير الماضي أنها تمتلك أكثر من 900 مليون شخص يتصلون أسبوعياًوقد ساعدتهم هذه الميزة التنافسية على الحفاظ على مكانتهم حتى عندما تحول الرأي العام إلى كراهية بعض الشيء بسبب الشكوك حول الخصوصية واستخدام البيانات الشخصية.
لكن النجاح الباهر لا يعني أن OpenAI وحيدة في هذا المجال. ففي المقابل، بدأ منافسون آخرون يفرضون وجودهم بقوة ويتوقون للمنافسة. تطبيقات مثل جوجل جيميني أو خيار ميتا إيه آي إنهم يكتسبون أرضية بسرعة مذهلة، خاصة من حيث النسبة المئوية، مما يشير إلى أن سوق المساعد الذكي أصبح أكثر تنوعًا وتطلبًا.
المنافسة شرسة، ويلعب العامل الأخلاقي دوراً هاماً.
على الرغم من أن ChatGPT لا يزال متربعًا على عرش برامج الذكاء الاصطناعي بلا منازع، إلا أن منافسيه لا يقفون مكتوفي الأيدي. فقد شهد Claude، الذي طورته شركة Anthropic، نموًا في استخدامه الشهري بنسبة 640% خلال العام الماضي، بينما قفز Meta AI بنسبة 973%. ورغم أن بدايتهما كانت متواضعة، إلا أن الاتجاه واضح: يبحث المستخدمون عن بدائل ذات مناهج مختلفةسواء كان ذلك بسبب تزايد المخاوف الأمنية أو للحصول على أدوات أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم الخاصة.
حدث تحولٌ مثيرٌ للاهتمام قبل بضعة أشهر عندما عُلم أن شركة OpenAI قد وقّعت اتفاقية مع البنتاغون. كان رد الفعل سريعًا، وقرر العديد من الأشخاص، الذين انتابهم القلق بشأن الاستخدام العسكري لهذه التقنية، إلغاء تثبيت التطبيق وتجربة خيارات أخرى. في تلك اللحظة، قفز كلود إلى المركز الأول في عدد التنزيلات في متجر التطبيقات الأمريكي، مما يدل على أن المستخدمين أصبحوا أكثر يقظة بشأن القيم التي تدعمها الشركات التي يمنحونها وقتهم وبياناتهم.
وتنعكس هذه المنافسة الشرسة أيضاً على سوق الأسهم. إذ تتخذ الشركتان خطواتٍ نحو طرح أسهمهما للاكتتاب العام، وهي خطوة تهدف إلى جمع مبالغ طائلة لمواصلة عملياتهما. مركز بيانات يستهلك الموارد بوتيرة مخيفة. في أوروبا، حيث الأنظمة أكثر صرامة، يخضع هذا النمو لتدقيق دقيق، مع بذل جهود لتحقيق التوازن بين الابتكار وحماية حقوق المواطنين.
أين تكمن الفائدة الحقيقية من كل هذه التكنولوجيا؟
بعيدًا عن العناوين المثيرة حول مليار مستخدم، هناك سؤال يؤرق المحللين الماليين: هل كل هذا مربح؟ فرغم تحقيق مليارات الدولارات من الإيرادات، إلا أن تكلفة تشغيل هذه الأجهزة باهظة للغاية. قد تنفق الشركات في هذا القطاع تريليون دولار سيتم إنفاق مبالغ مالية على البنية التحتية العام المقبل. من غير الواضح كم من هؤلاء المستخدمين المجانيين سيدفعون في نهاية المطاف مقابل النسخ المدفوعة أو نسخ المؤسسات.
في العديد من المكاتب في جميع أنحاء البلاد، بدأت تظهر تساؤلات حول ما إذا كان الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يُترجم فعلاً إلى فوائد ملموسة. على الرغم من أن الدراسات تشير إلى أن الموظفين الذين يستخدمون هذه الأدوات... يوفرون ما يصل إلى يوم عمل واحد أسبوعياًمع ذلك، لا يزال الطريق طويلاً قبل أن تنعكس وفورات الوقت هذه بوضوح على الأرباح النهائية. ولا تُسهم حرب الأسعار بين الموردين في استقرار السوق، إذ تتضاءل هوامش الربح بينما تبقى تكاليف التشغيل مرتفعة للغاية.
يبدو أن المستقبل يتجه نحو نموذج لا يكون فيه الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للاستعلام، بل نظام قادر على تنفيذ مهام كاملة من خلال وكلاء الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل. هذا التحول إلى ما يسمى بالوكلاء الأذكياء يعد بـ إحداث ثورة في إنتاجية الشركاتلكن ذلك سيفرض أيضاً إعادة تصميم كاملة لعمليات العمل كما نعرفها اليوم. لم يعد السؤال هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي مفيداً أم لا، بل من سيتمكن من دمجه بكفاءة عالية في أعماله دون إغفال المبادئ الأخلاقية.
في نهاية المطاف، يُعدّ الوصول إلى هذا العدد الكبير من الناس في فترة وجيزة دليلاً قاطعاً على أن الذكاء الاصطناعي باقٍ وسيصبح جزءاً لا يتجزأ من نسيجنا الاجتماعي. لقد فتح تطبيق ChatGPT آفاقاً جديدة لا يمكن تجاهلها، ليقود سباقاً لا يُقاس فيه النجاح بعدد التنزيلات فحسب، بل بقدرته على توليد قيمة حقيقية ومستدامة تُقنع المستخدمين العاديين والشركات الكبرى على حد سواء، وذلك في ظل بيئة تتسم بتزايد المنافسة والمراقبة الاجتماعية.




