
يبدو أن مستقبل التكنولوجيا لم يعد يقتصر على ما نحمله في جيوبنا، بل يشمل أيضاً ما نرتديه. في إسبانيا وبقية أوروبا، نشهد كيف أن دمج الذكاء الاصطناعي في الأشياء اليومية لم يعد ضرباً من الخيال العلمي، بل أصبح واقعاً ملموساً. تهدف شركة ميتا إلى تشجيعنا على التوقف عن التحديق في شاشات هواتفنا المحمولة والبدء بالتفاعل مع محيطنا من خلال... أجهزة قابلة للارتداء تفهم ما نراه ونسمع ذلك في كل لحظة من اليوم.
هذا الهجوم الجديد ليس من قبيل الصدفة، إذ تسعى الشركة إلى ترسيخ مكانتها في سوق شهد نموًا هائلاً مؤخرًا. ورغم أن البعض لا يزال ينظر إلى فكرة ارتداء الكاميرات على الوجه بعين الريبة، إلا أن الحقيقة هي... قبول النظارات الذكية إنها تتجاوز التوقعات الأولية للعديد من المحللين. الفكرة بسيطة لكنها فعّالة: تقديم مساعد لا يكتفي بالإجابة على الأسئلة فحسب، بل يمتلك أيضاً معلومات عن حياتنا اليومية ليقدم لنا يد العون عندما نكون في أمسّ الحاجة إليها.
قلادة ذكية لتذكر كل شيء
من بين أكثر المشاريع إثارةً التي يعملون عليها تطوير قلادة تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، وهو جهاز قد يبدأ اختباره داخليًا قريبًا جدًا. بعد استحواذهم على شركة Limitless الناشئة، تمتلك Meta الآن التكنولوجيا اللازمة لإنشاء جهاز قابل للارتداء قادر على... تسجيل المحادثات وإنشاء ملخصات تلقائية بكفاءة. وهذا ليس بالأمر الهين، إذ سيسمح ذلك للشخص بامتلاك نوع من الذاكرة الرقمية معلقة دائمًا حول رقبته، وهو أمر قد يكون بمثابة نعمة للعديد من المهنيين.
إن الفكرة الكامنة وراء هذه القلادة تتجاوز مجرد كونها ميكروفونًا بسيطًا؛ فهي بمثابة مساعد شخصي متاح دائمًا لالتقاط السياق المحيط. ويبدو أن الهدف من هذا الجهاز هو أن يكون قادرًا على نسخ الاجتماعات أو استرجاع تفاصيل محددة ربما أغفلنا ذلك خلال محادثة غير رسمية. ومع ذلك، ستكون مسألة الخصوصية موضوعًا رئيسيًا للنقاش، لا سيما في أوروبا، حيث قوانين حماية البيانات صارمة للغاية ولا تسمح بالتسجيل العرضي.
نظارات فائقة الحساسية: المستوى التالي
من ناحية أخرى، يشير تطور النظارات الذكية المعروفة للعلامة التجارية إلى ما أطلقوا عليه اسم "الاستشعار الفائق". ستتيح هذه الوظيفة لأجهزة الاستشعار والكاميرات البقاء نشطة لفترات طويلة حتى يتمكن الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، ساعدنا في العثور على مفاتيح المنزل إذا لم نتذكر أين تركناها. إنها قفزة هائلة نحو ذكاء اصطناعي لا يكتفي بالاستجابة لأوامرنا، بل يراقب أيضاً بشكل سلبي ليكون مفيداً بشكل استباقي.
في السوق الحالية، مكّن التحالف مع إيسيلور لوكسوتيكا علامات تجارية مثل راي بان وأوكلي من عرض هذه التقنيات دون أن تبدو كأجهزة من فيلم خيال علمي. في الواقع، من المتوقع أن يتحقق ما يلي بحلول النصف الثاني من عام 2026: بيع عشرة ملايين جهاز قابل للارتداء على الصعيد العالمي، بدأ استخدام هذه الأدوات يترسخ في إسبانيا، وخاصة بين عشاق التكنولوجيا الذين يبحثون عن طريقة أكثر طبيعية للتفاعل مع مساعديهم الافتراضيين دون الحاجة إلى إخراج هواتفهم من جيوبهم باستمرار.
الواقع المالي والنهج التجاري
على الرغم من أن النجاح التجاري يبدو وشيكًا، إلا أن الأمور ليست على ما يرام في مكاتب مارك زوكربيرج. فقسم الأجهزة التابع له، ريالييتي لابز، يواصل التراكم. خسائر تشغيلية من شأنها أن تصيب أي شخص بالدوارتحقق الشركة أرقامًا فلكية كل ربع سنة. ومع ذلك، يبدو أنها مستعدة لمواصلة المخاطرة من أجل قيادة هذا العصر الجديد للحوسبة الشخصية، واثقة من أن هيمنتها على السوق على المدى الطويل ستعوض النفقات الحالية.
في محاولة للتخفيف من هذه الخسائر، وجّهت شركة ميتا أنظارها نحو قطاع الشركات من خلال اقتراحها "الأجهزة القابلة للارتداء للعمل". وتتلخص الفكرة في بيع هذه الأجهزة للشركات لتحسين إنتاجية الموظفين من خلال وظائف محددة للمساعدة والدعم الفني في الوقت الفعلي. علاوة على ذلك، يشير طرح نماذج اشتراك مدفوعة للوصول إلى ميزات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى أن العمل لن يقتصر على بيع الجهاز فحسب، بل سيشمل أيضًا الحفاظ على تفاعل المستخدم مع خدماته الرقمية.
يشتدّ التنافس للسيطرة على ما نرتديه مع دخول منافسين مثل جوجل وOpenAI، لكن ميتا تتصدر السوق حاليًا بحصة سوقية ساحقة. يكمن التحدي في السنوات القادمة في إقناع عامة الناس بأن هذه الأجهزة مفيدة وآمنة حقًا، متجاوزةً عنصر الإثارة الأولية. في نهاية المطاف، تشير كل الدلائل إلى أننا سندمج هذه المساعدات في حياتنا اليومية، مما سيُحدث تحولًا جذريًا. علاقتنا بالبيئة الرقمية بطريقة بدأنا للتو في إدراكها.


